الشيخ محمد تقي الفقيه
92
مبانى الفقيه
ثم إن إدراك العقل حكم الواقعة بعنوان ما لا ينافي عدم إدراكه إياها بدونه فلا تغفل . إذا عرفت هذا فاعلم أن المحكي عن صاحب القوانين : أنه جعل النزاع في مسألة الحظر والإباحة في الحكم الواقعي ، وجعله في البراءة والاحتياط في الحكم الظاهري ، وحينئذ فالفرق بينهما هو الفرق بين الحكم الواقعي والظاهري . واعترضه في الفصول ناسبا إياه إلى الاشتباه مدعيا أن منشأ الاشتباه هو الغفلة عن معنى الحكم الواقعي والظاهري . قلت : إذا كان النزاع في حكم العقل في الواقعة التي لا يستقل بحسنها ولا قبحها ، فلا معنى لكونه ظاهريا أو واقعيا ، لأن الحكم العقلي لا يقبل هذه القسمة ، فإنه لا يحكم إلا بعد إدراك مناطاته إدراكا تاما . والتحقيق : أن هذه المسألة من صغريات مسألة البراءة والاحتياط ، ومن ثمّ أهملها المحققون المتأخرون في كتب التدريس ، وعمّموا البراءة والاحتياط إلى الشرعية والعقلية ، واستدلوا بالأدلة العقلية للعقلية ، وبالشرعية للشرعية . وبالجملة : لا فرق بين المسألتين ، إلا أن الاحتياط أوسع لشموله للشبهة الوجوبية . الأمر الرابع : في الفرق بين أصالة الحل والبراءة ، فنقول : إن أخذت أصالة الحل من عمومات الحل في الآيات والأخبار نحو قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً وقوله ( ع ) : ( ليس الحرام إلا ما حرم اللّه في كتابه ) وشبه ذلك ، كان مؤداها حكما واقعيا ويكون الفرق بينهما واضحا ، لأن مؤدى البراءة حكم ظاهري ومورده أو موضوعه الشك .